الصفحة الرئيسية
>
شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ (نسخة منقحة)
.ذكر عدة حوادث: .سنة ثلاثين وخمسمائة: .الحرب بين عسكر الراشد وعسكر السلطان مسعود: فلما علم يرنقش بذلك اتفق هو وبك أبه شحنة بغداد، وهو من أمراء السلطان، على أن يهجموا على دار الخليفة يوم الجمعة، فبلغ ذلك الراشد بالله فاستعد لمنعهم، وركب يرنقش ومعه العسر السلطاني والأمراء البكجية، ومحمد بن عكر، في نحو خمسة آلاف فارس، ولقيهم عسكر الخليفة ومتقدمهم كج أبه واقتتلوا قتالاً شديداً، وساعد العامة عسكر الخليفة على قتال العسكر السلطاني حتى أخرجهم إلى دار السلطان، فلما جنهم الليل ساروا إلى طريق خراسان، ثم انحدر بك أبه إلى واسط، وسار يرنقش إلى البندنيجين، ونهب أهل بغداد دار السلطان. .ذكر اجتماع أصحاب الأطراف على حرب مسعود ببغداد وخروجهم عن طاعته: فأما جمال الدولة فإن أتابك زنكي شفع فيه شفاعة تحتها إلزام، فأطلق وصار إليه ونزل عنده. وخرج موكب الخليفة مع وزيره جلال الدين أبي الرضى بن صدقة إلى عماد الدين لتهنئته بالقدوم، فأقام الوزير عنده وسأله أن يمنعه من الخليفة، فأجابه إلى ذلك، وعاد الموكب بغير وزير، وأرسل زنكي من حرس دار الوزير من النهب، ثم أصلح حاله مع الخليفة، وأعاده إلى وزارته. وكذلك أيضاً عبر عليه قاضي القضاة الزينبي، وسار معه إلى الموصل، ثم إن الخليفة جد في عمارة السور، فأرسل الملك داود من قلع أبوابه وأخرب قطعة منه، فانزعج الناس ببغداد، ونقلوا أموالهم إلى دار الخلافة، وقطعت خطبة السلطان مسعود، وخطب للملك داود وجرت الأيمان بين الخليفة والملك داود وعماد الدين زنكي، وأرسل الخليفة إلى أتابك زنكي ثلاثين ألف دينار لينفقها. ووصل الملك سلجوقشاه إلى واسط فدخلها وقبض على الأمير بك أبه ونهب ماله وانحدر أتابك زنكي إليه لدفعه عنها واصطلحا وعاد زنكي إلى بغداد وعبر إلى طريق خراسان، وحث على جمع العساكر للقاء السلطان مسعود. وسار الملك داود نحو خراسان أيضاً، فنهب العسكر البلاد وأفسدوا، ووصلت الأخبار بمسير السلطان إلى بغداد لقتال الملك، وفارق الملك داود وأتابك زنكي، فعاد أتابك زنكي إلى بغداد، وفارق الملك داود، وأظهر له أن يمضي إلى مراغة إذ فارق السلطان مسعود إلى همذان، فبرز الراشد بالله إلى ظاهر بغداد أول رمضان، وسار إلى طريق خراسان، ثم عاد بعد ثلاثة أيام ونزل عند جامع السلطان، ثم دخل إلى بغداد خامس رمضان، وأرسل إلى داود وسائر الأمراء يأمرهم بالعود إلى بغداد، فعادوا، ونزلوا في الخيام، وعزموا على قتال السلطان مسعود من داخل سور بغداد. ووصلت رسل السلطان مسعود يبذل من نفسه الطاعة والموافقة للخليفة والتهديد لمن اجتمع عنده، فعرض الخليفة الرسالة عليهم، فكلهم رأى قتاله، فقال الخليفة: وأنا معكم على ذلك. .ذكر ملك شهاب الدين ملك حمص: فلما رأى عسكر زنكي الذين بحلب وحماة خروج حمص عن أيديهم تابعوا الغارات إلى بلدها والنهب له، والاستيلاء على كثير منه، فجرى بينهم عدة وقائع، وأرسل شهاب الدين إلى زنكي في المعنى واستقر الصلح بينهم، وكف كل منهم عن صاحبه. .ذكر الفتنة بدمشق: فلما طلب الآن الحضور إلى دمشق أجيب إلى ذلك، فأنكر جماعة الأمراء والمماليك قربه وخافوه أن يفعل بهم مثل فعله الأول، فلم يزل يتوصل معهم حتى حلف لهم واستحلفهم وشرط على نفسه أنه لا يتولى من الأمور شيئاً. ثم إنه جعل يدخل نفسه في كثير من الأمور، فأتفق أعدائه على قتله، فبينما هو يسير مع شمس الملوك في الميدان وإلى جانبه أمير اسمه بزاوش يحادثه، إذ ضربه بزاوش بالسيف فقتله، فحمل ودفن عند تربة والده بالعقيبة ثم إن بزاوش والمماليك خافوا شمس الملوك، فلم يدخلوا البلد، ونزلوا بظاهره، وأرسلوا يطلبون قواعد استطالوا فيها، فأجابهم إلى البعض، فلم يقبلوا منه؛ ثم ساروا إلى بعلبك، وبها شمس الدولة محمد بن تاج الملوك صاحبها، فصروا معه، فالتحق بهم كثير من التركمان وغيرهم، وشرعوا في العيث والفساد، واقتضت الحال مراسلتهم وملاطفتهم وإجابتهم إلى ما طلبوا، واستقرت الحال على ذلك، وحلف كل منهم لصاحبه. فعادوا إلى ظاهر دمشق وليدخلوا البلد. وخرج شهاب الدين، صاحب دمشق، إليهم واجتمع بهم وتجددت الأيمان، وصار بزاوش مقدم العسكر وإليه الحل والعقد، وذلك في شعبان، وزال الخلف، ودخلوا البلد والله أعلم. .ذكر غزاة العسكر الأتابكي لبلاد الأفرنج: وكان الأسرى سبعة آلاف أسير ما بين رجل وامرأة وصبي، ومائة ألف رأس من الدواب ما بين فرس وبغل وحمار وبقر وغنم، وأما ما سوى ذلك من الأقمشة والعين والحلي فيخرج عن الحد،و أخربوا بلد اللاذقية وما جاورها ولم يسلم منها إلا القليل، وخرجوا إلى شيزر بما معهم من الغنائم سالمين،منتصف رجب، فامتلأ الشام من الأسارى والدواب، وفرح المسلمون فرحاً عظيمًا، ولم يقدر الفرنج على شيء يفعلونه مقابل هذه الحادثة، عجزاً ووهناً. .ذكر وصول السلطان مسعود إلى العراق وتفرق أصحاب الأطراف ومسير الراشد بالله إلى الموصل وخلعه: وثار العيارون ببغداد وسائر محالها،وأفسدوا ونهبوا، وقتلوا حتى إنه وصل صاحب لأتابك زنكي ومعه كتب، فخرجوا عليه وأخذوها منه وقتلوه، فحضر جماعة من أهل المحال عند الأتابك زنكي، وأشاروا عليه بنهب المحال الغربية، فليس فيها غير عيار ومفسد، فامتنع من ذلك، ثم أرسل بنهب الحريم الطاهري فأخذ منه من الأموال الشيء الكثير؛ وسبب ذلك أن العيارين كثروا فيه وأخذوا أموال الناس. ونهبت العساكر غير الحريم من المحال، وحصرهم السلطان نيفاً وخمسين يوماً فلم يظفر بهم، فعاد إلى النهروان عازماً على العود إلى همذان، فوصله طرنطاي صاحب واسط ومعه سفن كثيرة، فعاد إليها وعبر فيها إلى غربي دجلة، وأراد العسكر البغدادي منعه فسبقهم إلى العبور، واختلفت كلمتهم، فعاد الملك داود إلى بلاده في ذي القعدة وتفرق الأمراء. وكان عماد الدين زنكي بالجانب الغربي فعبر إليه الخليفة الراشد بالله وسار معه إلى الموصل في نفر يسير من أصحابه، فلما سمع السلطان مسعود بمفارقة الخليفة وزنكي بغداد سار إليها واستقر بها، ومنع أصحابه من الأذى والنهب. وكان وصوله منتصف ذي القعدة، فسكن الناس واطمأنوا بعد الخوف الشديد، وأمر فجمع القضاة والشهود والفقهاء وعرض عليهم اليمين التي حلف بها الراشد بالله لمسعود وفيها بخط يده: إني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحداً من أصحاب السلطان بالسيف، فقد خلعت نفسي من الأمر؛ فأفتوا بخروجه من الخلافة، وقيل غير ذلك وسنذكره في خلافة المقتفي لأمر الله. وكان الوزير شرف الدين علي بن طراد وصاحب المخزن كمال الدين بن البقشلامي وابن الأنباري قد حضروا مع السلطان لأنهم كانوا عنده مذ أسرهم مع المسترشد بالله، فقدحوا في الراشد ووافقهم على ذلك جميع أصحاب المناصب ببغداد، إلا اليسير، لأنهم كانوا يخافونه، وكان قد قبض بعضهم وصادر بعضاً، واتفقوا على ذمه، فتقدم السلطان بخلعه وإقامة من يصلح للخلافة، فخلع وقطعت خطبته في بغداد في ذي القعدة وسائر البلاد. وكانت خلافته أحد عشر شهراً وأحد عشر يوماً، وقتله الباطنيه على ما نذكره إن شاء الله تعالى. .ذكر خلافة المقتفي لأمر الله: ثم إن شرف الدين الوزير ذكر للسلطان أبا عبد الله الحسين، وقيل محمد ابن المستظهر بالله، ودينه، وعقله، وعفته، ولين جانبه، فحضر السلطان دار الخلافة ومعه الوزير شرف الدين الزينبي، وصاحب المخزن ابن البقشلاني وغيرهما، وأمر بإحضار الأمير أبي عبد الله بن المستظهر من المكان الذي يسكن فيه، فأحضر وأجلس في المثمنة، ودخل السلطان إليه والوزير شرف الدين وتحالفا، وقرر الوزير القواعد بينهما، وخرج السلطان من عنده وحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء وبايعوا ثامن عشر ذي الحجة ولقب المقتفي لأمر الله. قيل سبب اللقب أنه رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل أن يلي الخلافة بستة أيام، وهو يقول له: إن هذا الأمر يصير إليك، فاقتف بي؛ فلقب بذلك. ولما استخلف سيرت الكتب الحكيمة بخلافته إلى سائر الأمصار واستوزر شرف الدين علي بن طراد الزينبي فأرسل إلى الموصل، وأحضر قاضي القضاة أبا القاسم علي بن الحسين الزينبي عم الوزير، وأعاده إلى منصبه، وقرر كمال الدين حمزة بن طلحة على منصبه صاحب المخزن، وجرت الأمور على أحسن نظام. وبلغني أن السلطان مسعوداً أرسل إلى الخليفة المقتفي لأمر الله في تقرير إقطاع يكون لخاصته، فكان جوابه: إن في الدار ثمانين بغلاً تنقل الماء من دجلة، فلينظر السلطان ما يحتاج إليه من يشرب هذا الماء ويقوم به؛ فتقررت القاعدة على أن يجعل له ما كان للمستظهر بالله، فأجاب إلى ذلك. وقال السلطان لما بلغه قوله: لقد جعلنا في الخلافة رجلاً عظيماً نسأل. والمقتفي عم الراشد هو والمسترشد ابنا المستظهر، وليا الخلافة، وكذلك السفاح والمنصور أخوان، وكذلك المهدي والرشيد أخوان، وكذلك الواثق والمتوكل أخوان، وأما ثلاثة أخوة ولوا الخلافة فلأمين والمأمون والمعتصم أولاد الرشيد، والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي والمتقي والمطيع بنو المقتدر، وأما أربعة إخوة ولوها فالوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك بن مروان لا يعرف غيرهم. وحين استقرت الخلافة للمقتفي أرسل إليه الراشد بالله رسولاً من الموصل مع أتابك زنكي، فأما رسول الراشد فلم تسمع رسالته، وأما أتابك زنكي فكان كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري، فأحضر في الديوان وسمعت رسالته، وحكى لي والدي عنه قال: لما حضرت الديوان قيل لي: تبايع أمير المؤمنين؟ فقلت: أمير المؤمنين عندنا في الموصل وله في أعناق الخلق بيعة متقدمة. وطال الكلام وعدت إلى منزلي. فلما كان الليل جاءتني امرأة عجوز سراً، واجتمعت بي وأبلغتني رسالة عن المقتفي لأمر الله مضمونها عتابي على ما قلته واستنزالي عنه. فقلت: غداً أخدم خدمة يظهر أثرها. فلما كان الغد أحضرت الديوان وقيل لي في معنى البيعة، فقلت: أنا رجل فقيه قاض، ولا يجوز لي أن أبايع إلا بعد أن يثبت عندي خلع المتقدم. فأحضروا الشهود وشهدوا عندي في الديوان بما أوجب خلعه، فقلت: هذا ثابت لا كلام فيه، ولكن لا بد لنا في هذه الدعوة من نصيب، لأن أمير المؤمنين قد حصل له خلافة الله في أرضه، والسلطان، فقد استراح ممن كان يقصده، ونحن بأي شيء نعود؟ فرفع الأمر إلى الخليفة، فأمر أن يعطى أتابك زنكي صريفين ودرب هرون وحربي ملكاً، وهي من خاص الخليفة ويزاد في ألقابه، وقال: هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد من زعماء الأطراف أن يكون لهم نصيب في خاص الخليفة. فبايعت وعدت مقضي الحوائج قد حصل لي جملة صالحة من المال والتحف. وكانت بيعة وخطب للمقتفي في الموصل في رجب سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، ولما عاد كمال الدين بن الشهرزوري سير على يده المحضر الذي عمل بخلع الراشد، فحكم به قاضي القضاة الزينبي بالموصل، وكان عند أتابك زنكي. .ذكر عدة حوادث: وفيها ثار العيارون ببغداد عند اجتماع العساكر بها، وقتلوا في البلد ونهبوا الأموال ظاهراً وكثر الشر، فقصد الشحنة شارع دار الرقيق، وطلب العيارين، فثار عليه أهل المحال الغربية فقاتلهم، وأحرق الشارع، فاحترق فيه خلق كثير، ونقل الناس أموالهم إلى الحريم الطاهري، فدخله الشحنة، ونهب منه مالاً كثيراً. ثم وقعت فتنة ببغداد بين أهل باب الأزج وبين أهل المأمونية، وقتل بينهم جماعة ثم اصطلحوا. وفيها ثار قراسنقر في عساكر كثيرة في طلب الملك داود ابن السلطان محمود، فأقام السلطان مسعود ببغداد، ولم يزل قراسنقر يطلب داود حتى أدركه عند مراغة، فالتقيا وتصافا واقتتل العسكران قتالاً عظيماً، فانهزم داود وأقام قراسنقر بأذربيجان، وأما داود فإنه قصد خوزستان فاجتمع عليه هناك عساكر كثيرة من التركمان وغيرهم وبلغت عدتهم نحو عشرة آلاف فارس، فقصد تستر وحاصرها، وكان عمه الملك سلجوقشاه ابن السلطان محمد بواسط، فأرسل إلى أخيه السلطان مسعود يستنجده، فأمده بالعساكر، فسار إلى داود وهو يحاصر تستر، فتصافا، فانهزم سلجوقشاه. وفيها توفي محمد بن حموية أبو عبد الله الجويني، وهو من مشايخ الصوفية المشهورين، وله كرامات كثيرة ورواية الحديث. وتوفي أيضاً محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري الصوفي مصنف شرح الشهاب وأنشد لما حضره الموت: وتوفي أيضاً أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي الصاعدي راوي صحيح مسلم عن عبد الغافر الفارسي، وطريقه اليوم أعلى الطرق، وإليه المرحلة من الشرق والغرب، وكان فقيهاً مناظراً ظريفاً يخدم الغرباء بنفسه، وكان يقال: الفراوي ألف راو، رحمه الله ورضي عنه. ثم دخلت: .سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة: .ذكر تفرق العساكر عن السلطان مسعود: وقدم على السلطان مسعود جماعة من الأمراء اللذين حاربوه مع الملك داود منهم البقش السلاحي وبرسق ابن برسق صاحب تستر، وسنقر الخمارتكين شحنة همذان،فرضي عنهم، وأمنهم، وولي البقش شحنكية بغداد،فعسف الناس وظلمهم. وكان السلطان مسعود بعد تفرق العساكر عنه قد بقي معه ألف فارس. وتزوج الخليفة فاطمة خاتون أخت السلطان مسعود في رجب، والصداق مائة ألف دينار، وكان الوكيل في قبول النكاح وزير الخليفة علي بن طراد الزينبي، والوكيل عن السلطان وزيره الكمال الدركزيني ووثق السلطان حيث صار الخليفة وصدقة بن دبيس بن صدقة صهريه، وحيث سار الراشد بالله من عند زنكي الأتابك، والله أعلم. .ذكر عزل بهرام عن وزارة الحافظ ووزارة رضوان: وأما رضوان فإنه وزر للحافظ ولقب بالملك الأفضل، وهو أول وزير للمصريين لقب بالملك، ثم فسد ما بينه وبين الحافظ فعمل الحافظ في إخراجه، فثار الناس عليه منتصف شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وهرب من داره وتركها بما فيها، فنهب الناس منها ما لا يحد ولا يحصى، وركب الحافظ فسكن الناس، ونقل ما بقي في دار رضوان إلى قصره. وأما رضوان فإنه سار يريد الشام يستنجد الأتراك ويستنصرهم، فأرسل إليه الحافظ الأمير ابن مصال ليرده بالعهد والأمان أنه لا يؤذيه، فرجع إلى القاهرة، فحبسه الحافظ عنده في القصر، وقيل إنه توجه إلى الشام، وهو الصحيح، وقصد صرخد فوصل إليها في ذي القعدة ونزل على صاحبها أمين الدولة كمشتكين، فأكرمه وعظمه، وأقام عنده. ثم عاد إلى مصر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، ومعه عسكر، فقاتل المصريين عند باب النصر وهزمهم، وقتل منهم جماعة كثيرة، وأقام ثلاثة أيام، فتفرق عنه كثير ممن معه، فعزم على العود إلى الشام، فأرسل إليه الحافظ الأمير ابن مصال،فرده وحبسه عنده في القصر، وجمع بينه وبين عياله، فأقام في القصر إلى سنة ثلاث وأربعين، فنقب الحبس وخرج منه،وقد أعدت له خيل، فهرب عليها، وعبر النيل إلى الجيزة فحشد وجمع المغاربة وغيرهم، وعاد إلى القاهرة، فقاتل المصريين عند جامع ابن طولون وهزمهم، ودخل إلى القاهرة فنزل عند جامع الأقمر، فأرسل إليه الحافظ عشرين ألف دينار، فقسمها، وكثر عليه الناس، وطلب زيادة، فأرسل إليه عشرين ألف دينار أخرى، ففرقها، فتفرق الناس عنه وخفوا عنده، فإذا الصوت قد وقع، وخرج إليه جمع كثير من السودان وضعهم الحافظ عليه، فحملوا على غلمانه فقاتلوهم، فقام يركب، فقدم إليه بعض أصحابه فرساً ليركبه، فلما أراد ركوبه ضرب الرجل رأسه بالسيف فقتله، وحمل رأسه إلى الحافظ، فأرسله إلى زوجته، فوضع في حجرها، فألقته وقالت: هكذا يكون الرجال، ولم يستوزر الحافظ بعده أحداً، وباشر الأمور بنفسه إلى أن مات. .ذكر فتح المسلمين حصن وادي ابن الأحمر من الفرنج: .ذكر حصار زنكي مدينة حمص: .ذكر ملك زنكي قلعة بعرين وهزيمة الفرنج: ثم إن القسوس والرهبان دخلوا بلاد الروم وبلاد الفرنج وما والاها مستنفرين على المسلمين، وأعلموهم أن زنكي أخذ قلعة بعرين ومن فيها من الفرنج ملك جميع بلادهم فبأسرع وقت، وأن المسلمين ليس لهم همة إلا قصد البيت المقدس، فحينئذ اجتمعت النصرانية وساروا على الصعب والذلول، وقصدوا الشام، وكان منهم ما نذكره. وأما زنكي فإنه جد في قتال الفرنج، فصبروا وقلت عليهم الذخيرة، فإنهم كانوا غير مستعدين، ولم يكونوا يعتقدون أن أحداً يقدم عليهم بل كانوا يتوقعون ملك باقي الشام، فلما قلت الذخيرة أكلوا دوابهم، وأذعنوا بالتسليم ليؤمنهم، ويتركهم يعودون إلى بلادهم، فلم يجبهم إلى ذلك، فلما سمع باجتماع من بقي من الفرنج ووصول من قرب إليهم أعطى لمن في الحصن الأمان، وقرر عليهم خمسين ألف دينار يحملونها إليه، فأجابوه إلى ذلك فأطلقهم فخرجوا وسلموا إليه، فلما فارقوه بلغهم اجتماع من اجتمع بسببهم، فندموا على التسليم حيث لا ينفعهم الندم، وكان لا يصلهم شيء من الأخبار البتة، فلهذا سلموا. وكان زنكي في مدة مقامه عليهم قد فتح المعرة وكفر طاب من الفرنج فكان أهلها وأهل سائر الولايات التي بين حلب وحماة مع أهل بعرين في الخزي لأن الحرب بينهم قائمة على ساق، والنهب والقتل لا يزال بينهم، فلما ملكها أمن الناس، وعمرت البلاد وعظم دخلها، وكان فتحاً مبيناً ومن رآه علم صحة قولي. ومن أحسن الأعمال وأعدلها ما عمله زنكي مع أهل المعرة، فإن الفرنج لما ملكوا المعرة كانوا قد أخذوا أموالهم وأملاكهم، فلما فتحها زنكي الآن حضر من بقي من أهلها ومعهم أعقاب من هلك، وطلبوا أملاكهم، فطلب منهم كتبها، فقالوا: إن الفرنج أخذوا كل ما لنا، والكتب التي للأملاك فيها. فقال: اطلبوا دفاتر حلب وكل من عليه خراج على ملك يسلم إليه، ففعلوا ذاك، وأعاد على الناس أملاكهم، وهذا من أحسن الأفعال وأعدلها.
|